الرئيسية / ادبيات / نبش في أحواش امنتانوت : بحث للطالبة أوحدو مونى

نبش في أحواش امنتانوت : بحث للطالبة أوحدو مونى

المعطيات الجغرافية والمناخية:

إيمي ن تانوت: تسمية أمازيغية تتشكل من قطعتين، الأولى بالدارجة “فم” والثانية تعني بئر، والتاء تستعمل عادة للتصغير، أما النون تستعمل للربط بين الكلمتين. وانطلاقا من هذا فإن إيمي ن تانوت تعني فم البئر الصغير التي تقع على قدم الجبل الفاصل بين قبيلتي “نضيفة” و”دمسيرة” على بعد 120 كلم من مراكش و45 كلم من شيشاوة. حفرها السلطان أبي عنان المريني الملقب ب “أكليد إسمك” أي “السلطان الأسود”.

وتتشكل منطقة إيمي ن تانوت من مجالين جغرافيين متباينين: مجال جبلي يمتاز بوفرة المياه والغابات والسكن المتفرق المبني من الطوب والحجر ثم الخشب المستعمل للتسقيف أو كدعامة للبيت. والمجال السهلي يمتاز بأراضي مستوية، منها المسقية بمياه الأبار والعيون، ومنها البورية التي تعتمد على مياه الأمطار.

الطقس بالمنطقة يصنف ضمن النوع الجاف، يمتاز بقلة التساقطات وارتفاع درجة الحرارة لبعده عن البحر، إذ تبعد المنطقة عن أقرب نقطة ساحلية وهي أكادير بحوالي 130 كلم أو أكثر.

تعتمد المنطقة على النشاط الفلاحي. وأهم المحاصيل الزراعية المتوفرة نجد: الشعير، والذرة، وبعض الخضروات؛ أما المغروسات فتتشكل أساسا من أشجار اللوز، وأشجار الزيتون، وأشجار الجوز والرمان… وتشتهر المنطقة بالعسل الحر(تامنت ن تزوكنيت). أما تربية الماشية فتتكون أساسا من الغنم والماعز، والإنتاج بالمنطقة إنتاج معيشي تقليدي.

  1. المعطيات التاريخية لفن أحواش:

كما هو هو معلوم أنه من الصعب تحديد بداية تاريخية مضبوظة لكل تراث، خاصة ما يتعلق بالمظاهر الفنية بما فيها فن “أحواش”. فقد كان الإنسان في القديم يؤمن بوجود قوة خفية داخل الطبيعة، كان يمجدها ويقيم لها مراسيم وطقوس تليق بها. سواء عن طريق الغناء أو التعبير الجسماني. وقد أحتفظ فن “أحواش” بروح الجماعة، وهذا راجع لكون احترام العائلة كان من أهم الظواهر الإجتماعية. إذ تصبح هذه الأخيرة قبيلة، والقبيلة تتوسع لتصبح لفا وهكذا. فما المقصود إذن بأحواش إيمي ن تانوت؟ وماهي أهم مكوناته وأبعاده ودلالات هذا الفن؟

  1. القالب العام لفن أحواش إيمي ن تانوت:

  1. فن أحواش إيمي ن تانوت:

يشارك فيه الرجال والرجال والنساء، وعددهم محدود بين الخمسة عشر والثلاثين فردا، حيث يصطف الرجال من جهة والفتيات من جهة أخرى مقابلة، حتى أنهم يكادون يرسمون شكلا دائريا، يترقص العازفون في وسط الشكل. ولا تستعمل فيه إلا آلة “تالونت” البندير، ولباسهم يتشكل من جلباب أبيض، وعمامة بيضاء، ورزة وخنجر، وبلغة بيضاء.

  1. تنظيم الشكل في أحواش:

شكل أحواش إيمي ن تانوت

انضامن

أعلام

 أمرار تلغا

 الروايس

 تاعلامت

الفتيات

وكما سلف الذكر، فإن فن أحواش إيمي ن تانوت يختلط فيه العنصر النسوي والذكوري، حيث الرجال في صف والنساء في الصف المقابل، ولهذا فإنه يسمى أيضا بأحواش “أوسكا”، حيث يحاول كل فرد أن يؤدي دوره ببراعة ودقة متناهيتين. وفن أحواش يعد فنا ظاهريا، تكون فيه للرجال النسبة الكبيرة، في حين أن النساء يكونن نسبة أقل، وبهذا يحضى الرجال بأربعة أدوار بينما النساء يقتصرن على دورين فقط، ويعمل الكل على احترام الدور المسند إليه.

التنظيم في صفوف الرجال:

  • إِنْضَامْنْ: يمثلون النسبة الأكبر المكونة لأحواش، يقفون متراصين متزاحمين يتحركون حركة واحدة وفي اتجاه واحد، لا يحملون معهم أية آلات إبقاعية. سموا كذلك لترتيلهم الشعر.

  • أًعْلَامْ: رئيس الفرقة يكون رجلا كبير السن في الغالب، ذا شخصية قوية، يتحكم في حركات الجسد عند الرجال، هو الذي يسرع الرقصة ويخففها. وصيحاته مقروءة من لدن المشاركين جميعا. والوحيد الذي لا يتأثر بشخصية “أعلام” هو “أمرار نلغا”.

  • أمْرَارْ نْلْغَا: له تجربة كبيرة في أحواش، يتميز بقوة السمع والتركيز، إذ يستطيع من خلالها ضبط آخر شطر شعري نظمه شاعر من “انضامن”، ويعيده بصوت مرتفع وبتأني شديد ليستطيع الجميع سماعه، يكون واقفا بمحادات “الروايس”.

  • الرْوَايْسْ: يجب أن لا يقل عددهم عن ثلاثة أشخاص يعزفون على آلة “تالونت”، يصعدون من الإيقاع كلما تلقوا إشارة من “أعلام”. ورغم أنه ينقرون على آلة واحدة فإن المستمع يحس بأن هناك ثلاث آلات إيقاعية متنوعة، وذلك راجع لكون كل واحد منهم يضرب على البندير بشكل مخالف للآخر.

التنظيم في صفوف الفتيات:

  • تِنْضَامِينْ: مرتلات الشعر، كل الفتيات لهن الحق في إلقاء الشعر داخل أحواش، وخاصة حين يحتدم الهجو بين الطرفين، حينها يكون الدفاع عن الجنس واجبا مقدسا، ولكن بعد أخذ الإشارة من “تمريرت”.

  • تَمْرِيرْتْ: لها تجربة كبيرة في فن أحواش وكذلك في ارتجال الشعر، هي المسؤولة عن التنظيم في صفوف الفتيات. تكون مشهورة بقوة حنجرتها وعدم الخجل، تبدع في الرقصات التي تناسب الإيقاع الموسيقي.

  1. اللباس في رقصة أحواش:

يعتبر اللباس شيئا ذا ميزة خاصة في رقصة أحواش، يوحد الرجال كما يوحد النساء، ويضفي على الرقص جمالية خاصة. ويشتمل اللباس الرسمي لدى الرجال على:

  • آلْفْرْجْيَة: وهي عبارة عن رداء متقون الصنع، تتخلله صف من العقد في وسطه من الأعلى إلى الأسفل، وهو ناصع البياض.

  • تَاجْلَابِيتْ تُومْلِيلْتْ: الجلباب الأبيض، وهو ثوب حريري به عقد قرب العنق، وله قب وهو معروف لدى المغاربة، يرتدى في المناسبات الاحتفالية والدينية.

  • الرْزَة: العمامة، ثوب أبيض طويل يوضع فوق الرأس ولها استعمالات اخرى، فهي كفن بالنسبة لصاحبها وهذا ما يدل على كون الإنسان المغربي مستعد للموت في أي زمان ومكان. وتستعمل كذلك عوض الحبل في حالات كثيرة، الاحتطاب، التسلق…

  • إِدُوكَانْ: البلغة، نعل من الجلد، يؤخذ غالبا في اللون الأبيض أو الاصفر

      نلاحظ طغيان اللون الأبيض إذ يرمي ذلك إلى السلام، والإنفتاح على الآخر، ولكن بإضافة الخنجر يكون لهذا السلام شروط أساسية أهمها، الإحترام المتبادل وعدم الرضى بالذل، والاستعداد الدائم للحرب في حالة تعدى الآخر حدوده.

اللباس الرسمي لدى الفتيات:

  • آلْقْفْطَانْ: يؤخذ غالبا من “الملف”، ويكون ذلك بألوان متقاربة، يتميز بأشكال هندسية مطروزة عليه بإتقان، وهو مشهور عالميا.

  • لِزَارْ: ثوب أبيض يلبس من الجهة السفلى من الجسم، بطريقة توهم أنه مصمم على ذلك النحو، حيث يتكون من شقين ويحزم بـ “المضمة” وهي  حزام من فضة.

  • لْقْضِيبْ: قطعة مربعة من الصوف مزركشة الألوان توضع فوق الرأس، تتزين بها النساء عادة.

  • آلشْرْبِيلْ: نعال من الجلد، بألوان مختلفة توضع عليه لمسات متنوعة من الصانع التقليدي بخيوط مذهبة، وهو معرف على الصعيد الوطني.

بعض أنواع الحلي المستعملة:

  • آلْكْمِيتْ: الخنجر، يصنع من الحديد بينما غمده من الفضة، يرمز عادة إلى الرجولة والقوة، يوضع على الجانب الأيسر، ويعقد بحمالة تكون إما باللون الأحمر أو الأسود، وتزين بوردة من الخيوط على الكتف.

  • تَاوْنْزَا: تصاغ من معدن الفضة، تتكون من مجموعة من النقود الفضية، تربط بينها سلاسل صغيرة وتوضع فوق الجبهة تشد بالقضيب. ويذكر أن هذا الإسم مستمد من طريقة معروفة لتصفيف الشعر، حيث تسمى خصلات الشعر التي تلقى على الجبهة بـ “تاونزا”.

  • شْمْكْتْ: تصاغ هي الأخرى من معدن الفضة، تتكون كذلك من نقود فضية، تشبه شبكة، تلقى فوق الصدر وتشد بالكتفين.

     الملاحظ هنا أن مجمل الحلي المستعمل يصاغ من معدن الفضة، ولهذا الأخير دلالات عدة لدى الإنسان الأمازيغي من أهمها، تعبيره عن الصفاء والأخلاق الحميدة إلى درجة أنه يضرب به المثل للتعبير عن أمانة الإنسان، حيث يقال عادة:

“نْقْرْطْ إِصْفَانْ أَيْكَا بْنَادْمْ آنْ”

ذلك الإنسان يشبه معدن الفضة في صفائه.

  1. مميزات الإيقاع والرقص في فن أحواش:

أولا: آلة الإيقاع:

  • تَالُونْتْ: البندير وهي الآلة الأساسية في أحواش، شكلها دائري مصنوعة غالبا من جلد الماعز، ومساحتها تختلف من مكان إلى آخر. وأحواش إيمي ن تانوت يعتمد فيه على أربع بنادير ويضخم الإيقاع بالأكف وضربات الأرجل.

“تالونت” إذن هي آلة نقرية يمسكها الناقر لضبط الإيقاع، يوقع عليها بأصابعه أو بكامل كف يده، تمسك بإيلاج خنصر الكف اليسرى في الثقب المحفور على دائرته الخشبية، ثم يلوح به ويديره على أصبعه وهكذا يمضي “الروايس” في حركات رشيقة مرحة، وسرعان ما يشتد الإيقاع ويسري ذلك على باقي الرجال والفتيات، فتتحول الرقصة إلى حضرة حامية لا يسمع فيها إلا دق البندير، وتصفيق الأيادي وقصف الأرجل.

ثانيا: الإيقاع

تظهر أهمية الإيقاع في كونه يحدد الأوزان، فالعازفون على آلة البندير “تالونت” في أحواش إيمي ن تانوت يضربون على ثلاث أشكال إيقاعية:

  • إِيْقَاعْ أَهْمَازْ: شبهه أحد قدماء الروايس بـ “بُوكْجْدِي غْ أُونْرَارْ”، بمعنى أنه يشبه الحمار الذي يكون في وسط البيدر، وعليه يبنى تنظيم عملية الدرس، فهو الذي يغيير الإيقاع وقتما أراد.

  • إِيْقَاعْ أَسِيفْ: الترجمة بالعربية هو “النهر” لأنه يسير بشكل متواصل دون توقف ويحدث إيقاعا هادئا، ويقول أحد “الروايس” أن الذي يدفئ هذا الإيقاع لا يسخن بنديره.

  • إِيْقَاعْ أَمْدِيلْ أَوْ أَزْكَالْ: وترجمة الكلمتين باللغة العربية الفصحى هما كالتالي: “الصفعة” أو “غير المصيب”، سمي كذلك لأنه يسير على عكس إيقاع “أهماز” وإيقاع “أسيف”. ويعتمد إيقاع “أمديل” أو “أزكال” بتضخيم النعمة وذلك لضربه على البندير بالكف.

ثالثا: الرقص في أحواش

ربما يعتقد الغريب عن هذا الميدان أن تسلسل الرقصات سبقه تحضير عملي، واخراج وتمارين متواكبة، وبالتالي لا يكاد يصدق أن الكل ما هو إلا نتاج تلقائية محضة شذبتها العادات وصقلت، وتحكمت في نظامها لتقاليد تناقلتها بإخلاص وأمانة أجيال تعاقبت على نفس المسارح.

بعد ترتيل مجموعة من الأشطر الشعرية، يردد شطر بسيط مرات عدة، حتى يستوعبها مجموع المرددين ويتفهم الكل معانيها. ويكون في ترديد الجماعة إعلان وإشارة لدخول آلة الإيقاع “تالونت” بدقيقتين اثنين. هاتان الدقيقتان يتخللهما صمت محسوب ومضبوط، وآلة “البندير” هنا في دقاتها تفسح المجال لحركة الكتفين والركبة وحركات الأرجل في تقدمها وتأخرها، في مشيها وقفزاتها وحركات اليدين في تصفيقها. ف “تالونت” إذن تعلن ضبط الرقص من الناحية الجسمانية، كما تعطي للأصوات نظامها من حيث المسؤوليات الصوتية، ومن حيث التأرجح الإيقاعي للنطق بالكلمات الشعرية.

حركات الرقص عند الفتيات.

إن اللباس والحلي التي تحدثنا عنها في نقطة سابقة، تضفي طابعا جماليا على الرقصات التي يؤدينها، تبدأ الرقصة بتلاحم الفتيات حيث تمسك كل واحدة بيد الأخرى، ويحركن أجسادهن بتناغم كبير. ويرتكز الرقص لديهن بشكل كبير على تحريك اليدين والرأس، وقد عبرت إحدى تنضامين التي لها تجربة كبيرة في أحواش إيمي ن تانوت أن ذلك يعني كون المرأة تتحمل نفس أعباء الرجل، وتحريك اليدين والكتفين يعنى القوة الجسدية، فالفتاة بالمنطقة تؤدي الواجبات المنزلية وكذلك واجبات خارج المنزل، ويمكن أن نقول أنها تشقى أكثر من الرجل وفيما يخص تحريك فيعني أنها تستخدم كذلك عقلها،فهي تفكر في حلول مشاكل بيتها وقبيلتها. إلا أن هذا لا ينفي اعتزازها بأنوثتها، ويظهر ذلك في تحريكها لنهديها بشكل ملفت للإنتباه، وفي حركات الجزء الأسفل من جسدها، حيث الخفة والرشاقة، ويتم كل ذلك عن ذكاء متأصل. أما الحلي الذي يرتدينه فإنه يحدث أصواتا تشبه نغمات الناقوس يتماشى مع حركاتهم. وما يزيد رقصة الفتيات جمالية هو الإنقسامات المتعددة فيما بينهن يرسمن من خلالها أشكالا هندسية تبهر الناظرين.

  1. مميزات الغناء في فن أحواش:

من أجمل اللحظات الغنائية في فن أحواش إيمي ن تانوت هي الكلمات التي تلقى في بداية الرقصة أو خلالها، والمسماة “تامزكورت” والتي تعتبر من أقدم ما تغنى به الشاعر والشاعرة، في خضم رقصة أحواش، إذ يتقدم الصفان ليغنيان على هذا النحو:

ألآ لآلآلآلآ لْ

وهي صفة لضبط الوزن بالأصوات.

ألآ: وظيفته التحكم في طول الوزن وقصره، وذلك بتكراره مرتين أو ثلاثة أو أربع فما فوق حسب اللحن المراد التغني عليه.

أما “ل” فليس إلا إشباعا للصوت بين الوحدات الصوتية للوزن الواحد.

تتعدد الأغراض الشعرية في فن أحواش من شعر الهجاء، شعر المدح، الشعر الرومانسي… لكننا سنتطرق فقط لنوع واحد وغرض واحد ألا وهو شعر الهجاء.

  • شعر الهجاء:

لقد عرف الهجاء في فن أحواش منذ القدم. وهو حوار يدور إما بين الرجل والمرأة أو بين جنسين من نفس النوع، وهو أقرب إلى الحرب الكلامية التي تصدر عن ذكاء بالغ وعقل متزن، وقد يكون هجاءا بين قبيلتين متضادتين في شخص شعرائها. وتظهر القيمة الفنية والأدبية والمتعة الجمالية، من خلال الخواطر والمشاعر الصادقة حيث تتوقف الموسيقى، لأن الكلمة فيه أولى أن تسمع على النغمة، حيث تنتقد فيه العادات والإتجاهات والسلوكات… ويحاول تقويمها بالضحك. بزغ الهجاء في فن أحواش بإيمي ن تانوت فيما عرف بأحواش “إكي أومدوز” إذ يجتمع شباب الدوار في المساء بعد انتهائهم من أعمالهم اليومية ويجتمعون فتيات وفتيان في وسط الدوار، ويوقدون النار حيث تقف الفتيات من جهة والفتيان في الجهة المقابلة يتطرقون إلى الأحداث اليومية وغالبا ما ينزلقون من الضحك إلى المخاصمة.

  • نماذج من الهجاء بين الرجل والمرأة:

يحكى أنه في منطقة إيمي ن تانوت جاء أحد الطباخين التقليديين لطهي طعام العرس، ولما انتهى من عمله في الليل، دفعه فضوله إلى الانضمام إلى صف أحواش، فرأته إحدى نساء الدوار فأرادت أن تسخر منه لإثارة الضحك فقالت:

  • يَاكْ أَخُويَا بْنْحْمَادْ أَدَاوْنْ إِتِينِي كُويَانْ

  • إِدُوسَانْ كَاتْزْنْزَاتْ غُوفْلَانْ السُوقْ

  • ألست يأخي بنحماد وبها يعرفك الجميع

  • لا تبيع إلا أحشاء الماعز في جانب السوق

إلا أن رد الطباخ كان قويا ومقنعا، ينم عن تجربة كبيرة في مجال الهجاء، وخاصة عندما رد عليها بكلمات جارحة حين شبهته بالجزار الذي يبيع أحشاء الماعز في مكان لا يؤم إليه أحد من المتسوقين وبضاعته يحوم حولها الذباب.

رد الطباخ قائلا إذن:

  • بْلْحَاقْ وَاللهْ إِصْحَا غِيكَانْ الِلي تْنِيتْ

  • إِدُوسَانْ كَادْزْنْزَاغْ إِمَا كُنْتْ إِلاَنْ

  • إِمَا تَدْمْرْتْ دْ تَادُونْتْ نْكِي أَتْنْتْ إِشَانْ

  • إنه والله صحيح ما تقولين

  • أحشاء الماعز أبيعها لشريكك في الحياة

  • أما الفخذ والشحم أنا من يتناولها

فتعالت بذلك التصفيقات والزغاريد.

وفي حوار آخر دار بين شاب وشابة، أرادت هذه الأخيرة أن تثير انتباهه إلى مدى جمالها فقالت:

  • مَاكْ إِظْهْرْنْ غْ تْنْكُولْتْ إِسْ تْلًا تِسْنْتْ

  • ألا ترى أن الخبزة مملحة صالحة للأكل

إلا أن الشاب لم تعجبه مرافقة الفتاة فأراد التخلص منها قائلا:

  • زْنْزْ أَغْرُومْ نْمْ أَدَامْ غَارْأُورْتْقَارْ

  • قومي ببيع خبزك حتى لا ييبس

إنها إذن إهانة لكرامة الفتاة التي قيست في أعز ما لديها وهو الجمال الجسدي.

لكن هذا لا يعني أن الرجال دائما هم من ينتصرون في الهجاء، تارة يكون الحظ حليفهم وتارة تكون الغلبة للنساء كما جرى في أحد الرقصات، حيث قالت إحدى النساء مستهزئة برجل كبير السن.

  • أَخَالِي حْمَادْ زْنْزْ أَغْيُولْ أَيِتًوِيْتْ

  • يا سيد حماد اذهب وبع الحمار للتتزوج بي.

وفي ذلك تعبير عن الفقر الشديد الذي يعيشه الرجل الشيخ، وعن عدم قدرته على الزواج.

إلا أن الرجل رد بكل جرأة:

  • أَيُوفْ أَغْيُولْ إِغِيكِوْرْ أَكَامُومْ نُونْتْ

  • حماري إذا احتفظت به أحسن من وجهك القبيح.

مما أثار غضب الفتاة فردت عليه بقوة جعلته ينسحب متأثرا من الرقصة.

  • أَكَايُونْكْ أَوَا زُونْدْ أَعْلْوِي يَانْ سُوسْ.

  • إِكَا تِبْكَايِينْ إِزَانْ كَا تَاكْ إِعْمْرْنْ.

  • رأسك يشبه رأس أعلوي من سوس

  • كله مثقب لا يسكنه إلا الذباب.

والمقصود هنا بأعلوي أحمق معروف في المنطقة يضرب به المثل في الغباء ونثانة رائحته.

بعد هذا الهجاء الجريح بين الذكور والإناث، يكون الجو مكفهرا ما يطيل النقاش في الأيام الموالية وانتظار الجميع فرصة مناسبة للتصالح والتسامح. لذلك يقوم الشباب برقصة الناقوس في غرفة جالسين يرددون الأشعار، فتقوم الفتيات بجمع حلييهن وقالب السكر، وباقات الورود يضعنها كلها في صنية بعد إزالة غلاف السكر ليظهر بياضه. وهكذا يحملن الصينية فيدخلن بها إلى غرفة الشبان ويقدمنها لهم حينئذ يتقدم كل شاب نحو الصينية ويضع فيها قدرا من المال بجانب تلك الحلي والسكر والورود. وفي ختام الرقصة تعاد الصينية إلى الفتيات لتسترجع كل واحدة حليها، أما المقدار المالي فيشترين به ذبيحة تنحر، وفي المساء ستدعين الشباب لتناول العشاء جميعا، وفي منتصف الليل يخرجون إلى الرقص حيث يرقصون فلا تسمع سوى أشعار المودة والإحترام والأخوة، والإعتزاز والمرح. وبذلك يتم الصلح وتنسى النزاعات.

وختاما سننهي هذا العرض المتواضع بدعوة للانكباب على دراسة الفنون الشعبية التي تزخر بها بلادنا ومحاولة طرح مثل هذه المواضيع والتفكير فيها بأساليب جديدة ومبتكرة، من شأنها أن تؤسس لقراءة جديدة لتراثنا من أجل التصالح مع ماضينا ولترسيخ معرفتنا لبلادنا وثقافتنا مما سيشكل منارا يضئ طريقنا نحو المستقبل وتجاوز الإحساس بالدنيوية والاستلاب، وتضخيم ذوات وثقافة الغير.

عن azapress

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *