الرئيسية / ادبيات / . الحنفي باحث في الفن الامازيغي: ينتقذ “تبعمرانت”ويصف كلمتها ب “المنقولة”

. الحنفي باحث في الفن الامازيغي: ينتقذ “تبعمرانت”ويصف كلمتها ب “المنقولة”

صراحة لا  أنكر أن فن ” الروايس” فن يخفي السحر الغامض، فن  هو بمثابة السجل الذي صان لغتنا خلال حقب تاريخية من الضياع ، فن أعتبره خزانة عريضة لا رفوف لها، فن نعرف فيه صاحب الحنجرة ونجهل مبدع الكلمة.. لا أريد أن أضرب بالمجداف طويلا في بحر لا حدود له إنما أحببت أن أرسو بقاربي في شاطئ الصراحة والوضوح عسى أن أجعل القارئ يتذوق جمالية  فن النقد والذي يفتقد إليه أدبنا الأمازيغي ، ومن هذا المنبر أحب أن أكون واضحا جليا وأن أقول ما أريد أن أقوله بصراحة متناسيا عواطفي القومية غير مضطر إلى المحاباة غير متأثر بالقومية ولا بالعصبية ، ولا بما يتصل بهذا كله من الأهواء ، لأنه من الحق علينا أن نتساءل : أليس شعر تبعمرانت أكبر بكثير من عمرها ؟ أليس شعرها ذكريا وليس أنثويا ؟ هل الشعر الذي تغنيه فعلا شعرها أم هو لغيرها ؟

وقبل أن نصدر حكما يقضي علنيا انتهائيا بنفي نسب شعر تبعمرانت إليها لابد من وضع حيثيات تجعل الحكم مصادفا للصواب.

1-  شعر تبعمرانت أكبر من سِنِّها

لا يختلف اثنان في أن شعر “تبعمرانت” يبلغ من العمر قرناً من الزمن ، أي أنها حفيدة شعرها ذلك أنه من خلال قراءته نلمس فيه النكدة والمنازعة والمفاخرة والعصبية والذل والهوان يزيده حماسة و قوة والتهاباً ، وهذه الصفات كانت أيام الانتهاكات، أما في عصرها وهي من مواليد 1962 ففيه الفضيلة والسلم والإخاء ، مما يؤكد ـ قطعاً ـ أنه لا صلة بين” تبعمرانت ” وبين شعرها ،وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه لغيرها، لأناس في خريف العمر، ذاقوا مرارة سلب الحرية والتهميش والاضطهاد، عاشوا زمن الذل فعبروا عنه الآن مبرهنين عن الصلة الوثيقة بين عواطفهم القوية وبين شعرهم الذي صدر عنهم. لأن الشاعر يعيش هموم مجتمعه غير أنه قد لا ينتج أدبه إلا إذا استقلت ذاته عن هذا المجتمع متخذة موقفا فكريا خاصا به ، ولو افترضنا عكس ذلك لامتاز شعرها بهذه الصلابة منذ بداية مسيرتها الفنية . ويكفي للقارئ أن يقارن بين الشعر الذي غنته قبل التسعينات والذي غنته بعد ذلك ، ففي الفترة الأولى سيجد شعرها عاديا مسرفا في التبسيط مبالغا في السهولة يتناسب وعمرها ، يبتعد عن ضخامة البناء وجزالة الأسلوب ورصانته يقترب اقترابا شديدا من اللغة اليومية مكسرا بذلك الحاجز بينها وبين المتلقي ، أما في الفترة الثانية فسيجد كلامها عكس ذلك ، كلام معقد يكبرها سنا بكثير لا يعطي نفسه لأول وهلة بل يحتاج إلى تأمل وتمعن لإدراكه ،معانيه مأخوذة بعنف شديد بعيدة كل البعد عن الإنسان العادي ،كلام بصراحة يعمق الفجوة بين ” تبعمرانت ” وبين المستمع العادي و يحولهما إلى حديث الأطرشين. ومن خلال هذا الجدول نلاحظ أن حتى عناوين قصائدها في الفترة الأولى جاءت جد عادية بينما في الفترة الثانية معقدة وغريبة..

ما قبـل 1990

رْوَاحْ أنمُونْ – إغَاك يُوضْن أسْمُون – أزوَاگ نتَايْرِي – يَان تمْيَارتْ – مَاك ياغن مافتلات – إگيگيل – أغريب – أسمون تبضيت – أوريد أوا –

ما بعد 1991

إحريگن  ـ طامزلا – تيوارگيوين – الجاهلية تسنات – تطصا د إمطاون – أفراگ إمديازن – تاگانت إيوالون – أزول – تاماگيت إنو – ئلولا – تفيناغ – لكونگريس أمازيغ

 

ولكن لماذا هذه القفزة أو هذا التحول المفاجئ وبالضبط في بداية التسعينات ؟

ليس من شك في أن بداية التسعينات عرفت دينامية العمل الجمعوي الأمازيغي حيث انعقاد الأيام الثقافية بالرباط وتكريم الأستاذ محمد شفيق سنة 1991 ثم الدورة الرابعة للجامعة الصيفية في غشت 1991 فالتوقيع على ميثاق أكادير يوم 5/8/1991 والذي أفرز ميلاد الحركة الثقافية الأمازيغية وخلق الجدل الإيديولوجي بين الجمعيات فظهرت الرواية الأمازيغية والمسرح الأمازيغي والشعر الأمازيغي وبما أن الظرف تزامن مع وفاة الحاج محمد الدمسيري (11 .11 .1989) وأصبحت الساحة الفنية الأمازيغية خالية من زعيم قادر على حمل المشعل فنصبت ” تبعمرانت ” في المقدمة مدعمة بأفكار وأشعار خالية من الطابع الذي نحس به في شعرها والذي قالته قبل التسعينيات .

فهل نفسر هذا التحول في أن ” تبعمرانت ” لم تصل إلى الخصوبة الشعرية حتى سنة 1990 ؟

لا أعتقد ذلك ! لأن المهارة في الشعر ليست كالمهارة في الحرفة تكتسب مع مرور الوقت ، بل هي موهبة / بديهة / يمتاز بها الشاعر منذ البداية تجعل الشعر ينساب منه بسهولة في جميع مراحل حياته، أي أن البديهية والسليقة تتحكم في كل ذلك فتعطي للشعر صفة العفوية فيكون ألصق بالواقع وأقرب إلى الحقيقة وتعطي للشاعر منهجا يؤسس عليه مدرسته الفنية ويسير عليه ويعرف به ، وكل من خالفه (إيقاعا أو كلمة) كان مصيره في معظم الأحيان الفشل : فالرايس ” محمد أمراكشي ” كان قد أسس مدرسته الفنية على الرّباب التقليدي فكان له جمهور واسع ولكن لما غيره بآلة كهربائية مني بالفشل ، ونفس الشيء بالنسبة للرايس ” احمد أوالطالب المزوضي “، كان يغني عن الحبيب وما تركته ” زوبيدة ” من الهم في القلب … ولما خطى خطوة في السياسة وأراد أن يستغل هو أيضا هذا الصراع الإيديولوجي في بداية التسعينات تركه جمهوره يغرد خارج السرب.

فالمنهاج الذي أسست عليه المدرسة الفنية وسارت عليه هو الدعامة الأساسية للشاعر وأحد أرجل كرسي شهرته ، بل هو بطاقة شخصية  لكل شاعر، فيكفي أن يحرك الشاعر ربابه فتقول هذا          ” دمسيري ” أو هذا  ” الباز ” أو هذا  “أخطاب ”  ولا يمكن لأي شاعر أن يمر إلى قلب المستمع المتذوق للشعر ببطاقة شاعر آخر. تصور كيف سيكون ذوقك مثلا حين تشاهد ” عائشة تاشنويت ” تغني قصيدة ” الحج ” التي غناها الرايس “مهدي بن مبارك” وهل ستتلاءم كلمات القصيدة مع رقصات   ” تاشنويت ” البهلوانية.

وإن الذين تمسكوا بمناهج مدارسهم الفنية وساروا على نهجها هم الذين احتفظوا بمراتبهم ونالوا قلوب عشاقهم أمثال ” الحسين الباز – الحسن أخطاب – رقية الدمسيرية – مبارك أيسارـ احمد أمنتاك …” ولولا بعض الجمعيات التي ركبت ” تبعمرانت ” على ظهرها لفشلت هي الأخرى سيما وقد لاحظنا تراجعا في نسبة مبيعات أشرطتها مؤخرا  والذي ساهم في التآكل التدريجي لشهرتها، فإنني أقبل من شعر ” تبعمرانت ” ما سهل ولان و أرفض ما صلب واشتد .

ومن خلال دراسة أغانيها لاحظت أنها متوكئة في شعرها على صنفين من صانعي كلماتها صنف يعيش في المدينة لهم أهداف معينة متمثل في مناضلي الحركة الثقافية الأمازيغية وصنف ثاني متمثل في شعراء في خريف العمر يعيشون في البادية ليس بينهم وبين الحضارة أي اتصال فظلت لغتهم بدوية محضة متأثرة بعالم البداوة متحفظة بنوع من الغرابة والمتانة يميزها من لغة العصر التي تأثرت بالترف ولين العيش وبلغات وأجناس أجنبية، فجاء شعرها عبارة عن كلام مأخوذ من أصول قديمة اختارها مبدعها وآمن بها أو تأملات عميقة في الحياة انتهت عند صاحبها إلى أفكار عامة ومشاعر جياشة تصدم المتلقي وتثير انتباهه وقد تستفزه أحيانا إلى درجة السخط نظرا لتعقيدها. فماذا تريد  ” تبعمرانت ” من قولها :

إنـَّا إسْمْگْ إغ نْتابْعَا تِلـِّـــي فـْلْ الجْـدُودِي

مَـانِي غْرَانْ نـْفوغ أرمَاناگو مَـان أزمْـــزِي

أنـّاگـل إخْـرْصَـان أدّْرْغْ إيِـيخْفْ أرنتعبَادي

وِلـيَـاغ أورْ إخْـلقـن إسّْـرْمْـيَــاغ غِكادِي

فعلى أية عبودية تتحدث سيما وهي في زمن الحريات العامة وتفعيل مدونة الأسرة ؟ صراحة إنه كلام يكبرها سنا ، كلام أجد فيه شخصية أخرى غير ” تبعمرانت ” لفظه ومعناه غير ملائمين للعصر الذي قيل فيه.

بل وماذا تريد كذلك من قولها :

يَانْ إشّان إكيكر  دْ واينري  د لحزابي

إغَاك تْنْتْ إفرْنْ ألسَاسْنتْ أورِگِي لعِيبِي

ونحن نعلم أن ” أينري ”  يعود زمانه إلى بداية القرن الماضي حيث تستخرج حبوبه من باطـن الأرض وتغسل وتجفف تحت أشعة الشمس وتطحن  بمشقة في الرحى للحصول على دقيق تم رغيف خبز مـرٍّ يسد به الإنسان آنذاك رمقه (وهذا ما حكت لي جدتي التي توفيت منذ ربع قرن) ، وإن الذين أكلوا  ” أينري و إكيكر ” قد ولوا ولسنا بطبيعة الحال سنلقاهم اليوم ” لتنقية ” أمورنا.. فما محل ” تبعمرانت ”  من الشاعرية أمام القاعدة التي تقول: إن الشاعر ابن بيئته ؟ فهل نصدق أن يكون الشعر الذي تغنيه شعرها ؟ سيما حين تتحدث عن ” أينري وإكيكر”  والأجدر بها أن تتحدث عن الكومير والزبدة الرومية وتقول ما قاله أحد الروايس :

إزْدْ  أتَمُودِيتْ كْمِّينْ أيْگانْ الضِّيدْ الكُومِيرْ أوْيَاتْيِّي دَارْ وَاتَايْ.

لأن الشعر في لفظه ومعناه مرآة لحياة الشاعر خاصة ولحياة بيئته الاجتماعية التي يعيش فيها بوجه عام ، ونحن نعلم أن تبعمرانت وجدت أمامها “فن الروايس” ـ بعدما أحرقت كل السفن ـ فانضمت إليه في سن جد مبكر حيث التحقت بمدرسة “جامع لحميدي” بمدينة أكادير وهي ابنة العشرين..فما أبعدها من “أينري وإكيكر”  وما أقربها من “الزبدة والكومير”  إن كانت فعلا تؤمن بمبدأ   ” الخبز قبل الحب ” .

2- شعر تبعمرانت ذكوري

إذا كان شعر من سبق تبعمرانت من الشاعرات يتميز بعاطفة ممزوجة بلين الأنوثة ، عاطفة فيها بكاء وحرارة ، نحيب وصرخة وزفرة ، تنهدات مؤثرة تخرج من القلب إلى القلب لتخاطب العين وتسألها عن نصيبها في ذرف الدمع والسهر طول الليل فإننا نرى العكس عند تبعمرانت: شعر خشن الملمس غليظ اللفظ بعيد المعنى عن المألوف ، شعر يوحي بالفيافي والقفار و”تبعمرانت” تعيش بين الزّرابي والرخام..

حقيقة ليس صوت تبعمرانت هو الرجولي فقط  بل حتى شعرها فليس نشيدا من أناشيد الحب والحنان ، ليس لسانا من ألسن العاطفة التي تغلب على المرأة ، بل هو غليظ اللفظ شديد التعصب وفوق المعقول .

ومن هنا نستبعد أن يكون معظم شعرها صادرا عنها بل هو خطاب سياسي وضعه   ” الرجال ”  الذين يعتمدون اعتمادا  حقيقيا على  ” تبعمرانت ” في هذا الضرب من النضال،أولئك الذين أخرجوها من غياهب النكرة إلى نور المعرفة . لم ذلك؟

لأنهم يرون الملكة الشعرية في تبعمرانت أنضج منها في سواها لكـونها تنتمي إلى  جهـة  ” سوس” وسيكون لها سيط واسع ثم لكونها امرأة وبالمرأة أسقطت أجهزة المخابرات كبار الرموز …. فجعلوها بوقا يوصل الرسالة إلى آذان الجمهور الذي لم يعد وللأسف يتذوق الكلمة إذ يتشوق فقط إلى ” الشطيح والرديح وهز البطن ” ، فجعلت بدورها صانعيها قاربا أوصلها إلى شاطئ الشهرة ، فكافئوها برباب فضي رغم أن هناك من هو أولى منها للظفر والمكافئة به ،واستطاعوا أن يجدوا لها مكانا داخل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وداخل قبة البرلمان المزدحمين ، بل أكثر من ذلك، قدموها لجلالة الملك وتسلمت ” بطاقة فنان” من بين يديه الكريمتين متناسـين أن هناك شعراء أولى منها بكثير أمثال الرايسة  ” رقية الدمسيرية ” صاحبة الحنجرة الذهبية والتي قضت عُمر “تبعمرانت” كلـه في هذا “المستنقع” الذي قالت عنه فاطمة تحيحيت مجاهد قبل ” انتشالها ” منــه:

ألاَّهْتْ أرْبِّي مَافـْرَا سُولْ ألاَّغْ نْقْضْ

رْمِـيغْ تَامَّارَا غْ القهَاوِي وَلاَ أسَارَاگ

أو الفنان الكبير “الحاج احماد أمنتاك” شيخ الشعراء بل عميد كلية “الروايس” التي تخرج منها فنانون كبار .. أو على الأقل الرايس “مبارك أيسار” ذاك المبدع الفقير الذي لا يملك لا استوديوهات ولا فيــلات.. ذاك الفنان الذي يتشوق إلى الرباب ( الخشبي وليس الفضي ) وأبى أن يفارقــه فظل يصارع المرض ويرتعش فوق الخشبة من شدته إلى أن فارق الحياة..

أخي القارئ ، تعالى معي لنقف عند شعر تبعمرانت الحقيقي / النسائي/ والذي قالته سنة 1985 :

إغْ أوفِـيـغْ وَالِـي حُـوبِّـيـغ يَاكيَاغ الحَالْ

أَتْ أوكَـان لاَحْ طـَّاضْنْغْ تَـاسَانُو حُـوسُّوغ

أَرْ إحّْـرْگ وُولْ إنُـو زُونْـتْ يُوتْ لقرْطَاسْ

إنه شعر أنثوي بامتياز لكونه نابع من قلب أنثى  ” إغ أوفيغ والي….. يوصل بدقة العواطف الخاصة بالشاعرة إلى قلوب المستمعين ، عكس ما نلمسه عند ” تبعمرانت ” بداية التسعينات حين قالت:

أََحْ إِنُـو نْگا غْ تْمَازِيرْتْ نَّاغْ أخْمَّاسْ

نِيوِي لاوْمَا نَاسِي دّل نَاوِي سُول العَار

هذا يكفي لأن يكون دليلا قاطعا على أن شعر تبعمرانت ومنذ هذه الفترة لم يصدر عنها بل هو لشخص ذكر لكونها قالت ” أخماس” ولو كان العكس لقالت ” تخماست ”  وهذا لا يدع أي مجال للشك في أنها تارة تكون صحيفة تنقل أفكار ومبادئ محرريها وتارة أخرى تكون معلمة القسم التحضيري تلقن للمستمعين المصطلحات الأمازيغية ”  أيوز – تنمرت – أزرف … ” . عيب على تبعمرانت أن تؤلف شعرها من كلمات غيرها ، كلمات لقنها إياها مناضلو الحركة الثقافية الأمازيغية لتوصلها إلى عموم المستمعين وعيب عليها غير ذلك وما أكثر وجوه النقد … فلم يكن المتلقي  / المستمع / الأمازيغي الفقير العاطل الأمي البدوي الذي يتهافت على الأشرطة السمعية أكثر من غيره يعرف  ” الكونگريس الأمازيغي ” ولا كلمة “تماگيت”  ولا ” البربرية ”  ولم يكن له مستوى ثقافي كي يعرف هذه المصطلحات كما عرفها ” أخياط ”  أو ” مستاوي ” …

عن azapress

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *