بواسطة: admin
بتاريخ : الخميس 29-07-2010 12:05 مساء
مبارك اباعزي
من ديوان السياسة أو تهافت القومية العربية:
كاذب أو منافق من يدعي أنه يقف من (مسألة) الأمازيغية موقف المتفرج اللاهي أو الملاحظ المتجرد أو الباحث الموضوعي .
"كل منا، حسب وضعه الاجتماعي وتربيته الأولية، يوالي الدعوة أويعاديها تلقائيا، ثم بعد حين، بعد التفكير والتروي، يميل إلى الاعتدال والنقاش الهادئ."(العروي، 2009.ص.53). بهذه العبارات البسيطة، بدأ أستاذ كبير محورا من محاور كتابه الأخير، الموسوم ب " من ديوان السياسة". كلام يبين عن مدى اطلاع المفكر الكبير على بدايات الخطاب السياسي الأمازيغي، المشارك منه والمتبني للقضية، والمراحل التي انتقل عبرها إلى حدود نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. كلام يبرز كذلك مدى تغلغل المفكر في بنية التفكير المغربي المستعرب. إن الأمر يبدو وكأن الكاتب يختصر مجمل انتقالات الأحزاب السياسية والأقلام الفكرية على مدى ستين عاما في سطور قليلة؛ لقد بدأ الخطاب العروبي في المغرب برفض كل ما له صلة بالأمازيغية ، وتحريم استعمال مصطلح الأمازيغية بدوره. ثم بعد مدة، لم يجد مناصا من وضع الأمازيغية في خطابه، ولو من باب الاحتياط. إن الأمر لا يفتأ يتكرر بين الحين والآخر، عندما يدور الحديث عن الأمازيغية في اللقاءات الخاصة. إما أن يدبر البعض ، فيدل إدباره وصمته على معاداته، أو يشارك وينسجم في النقاش بدعوى المساندة والمؤازرة أو النقد. منذ أن أرسل محمد شفيق رسالته الخالدة " رسالة إلى أخ لي في الإسلام " سنة 1995 إلى زعيم العدل والإحسان عبد السلام ياسين ، أصبح لدى هذه الكتلة الإسلاموية مصحف في الأمازيغية يعودون إليه كلما تقطعت عليهم السبل، وكان موقفهم ياسينيا جذريا لا يفسح مجالا لأي نقاش، حتى أصبحوا يفترشون مقولة الفاشي الخالدة: " جلاء الجيوش الفرنسية أيها الإخوة واقع بالضرورة بعد بضع سنوات ، وكذلك الجيوش الاسبانية، والجيوش الأمريكية. إنما مشكلنا المزمن هو مشكل البربر، فكيف جلاؤهم؟ ...".( شفيق 2000.ص.20). وقد لوحظ مؤخرا بعض الانفراج في خطاب الأتباع، إذ ستجد أغلبهم مسايرا لحدث وأدروجة اللحظة، مدليا بدلوه في النقاشات، رغم أن المنطلق لا يعدو أن يكون مواكبا للموضة الثقافية. وينطبق ما قلناه على إسلاميي حزب العدالة والتنمية، الذي كان من أشد الرافضين لمشروع تنمية الأمازيغية، باعتبار أن القضية سياسية انفصالية تستهدف شن حرب على العربية والإسلام. غير أن الحزب تراجع عن معظم ، إن لم نقل كل، مواقفه في الآونة الأخيرة، إذ أصبح يشارك، من قريب أو بعيد، بمواقفه المسكنة لشرارة النضال الشعبي؛ حيش شاركت بعددين كاملين من مجلة الفرقان. العدد الأول سنة 1997 تحت عنوان " الحركة الأمازيغية بين الذات والاستلاب". والعدد الثاني سنة 2003/ ووسم بـ" الأمازيغية: مشكل الحرف والتدريس"، وأصبحت تخصص بعض محاور اصداراتها لموضوع من مواضيع الأمازيغية. الانتقال نفسه حدث للأحزاب السياسية، سواء منها المحسوبة على اليسار أو اليمين، فبعد صمت طويل لم يجدوا بدا من أن يقدموا بعض التنازلات، ما داموا يسمتون سمت المجتمع الحداثي الديموقراطي. إن هذا الإشكال الذي يشير إليه العروي، يتجاوز الخطاب السياسي المعادي للأمازيغية، تجاوزه للخطاب السياسي الأمازيغي الراديكالي؛ فكلاهما يعيد النظر في حقائقه ويغيرها، من المعاداة والراديكالية إلى الاعتدال. والأكيد أن هذه التنازلات التي قام بها اللوبيون في موضوع الأمازيغية ما كان إلا نزولا عند رغبة الدكتاتورية العروبية في بلاد تامزغا، أي أن اللوبيات العربية لم تستجب إلا باستجابة نظمها القمعية. لقد كان العروي من السباقين إلى تقديم مجموعة من الحقائق التاريخية المرتبطة بالأمازيغ وعلاقتهم بالمحتل العربي والغربي، في كتابيه " مجمل تاريخ المغرب" و " العرب والفكر التاريخي". إذ بشهاداته حول الغايات الاستعمارية المبطنة داخل تبليغ الرسالة السماوية، لم يترك مجالا للتبريريين العرب، المؤرخين منهم على الخصوص ، للإدلاء بشطحاتهم الفكرية، رغم أن طموحهم الكبير وتهافتهم المستمر على مناصب القرار السياسي لم يحجمهم عن ذلك. وفي السنة الماضية صدر له عن المركز الثقافي العربي كتاب وسمه ب " من ديوان السياسة" وهو يحمل من الهواجس السياسية الكثير. وقد أشار فيه إلى أن الأمازيغية لا محالة قادمة وأن على الشعب المغربي المستعرب لغويا والمهجن هوياتيا، أن يستعد لها. إن الكرة في ملعبه، وعليه أن يتدبر خطة اللعب... إننا لا يجب أن نتعامل مع هذا الأمر ببساطة، ذلك أن تغير البنية السوسيولوجية، وهو ما يقتضيه الاعتراف بالأمازيغية ودسترتها، سيطرح إشكالات عدة، سواء لدى الدولة التي يوجب عليها الأمر تعاملا خاصا ومختلفا، أو لدى المستعرب المغربي الذي سيجد، لو تجذر وعي العامة بالأمازيغية، أمام مأزق تواصلي كبير، سبق لجامع الجغايمي أن طرحه: " تدريس الأمازيغية بين إكراهات اليوم ورهانات الغد." وهو: " من يرغب في التواصل معنا فليتحدث بالأمازيغية." وقد أشار الأستاذ العروي إلى مجموعة من المواقف، تستوجب منا أن نقف عندها بعض التوقف. يقول الأستاذ عبد الله العروي: " اللهجة لا تحدد وحدها الهوية. قد تنقطع الصلة باللغة ويظل الانتماء قائما." هذا الكلام يطرح أولا إشكالا على مستوى توظيف المصطلحات، إذ إن تكويننا اللساني هو الذي يفرض علينا هذا النوع من التعامل، يرتبط الأمر هنا باستعمال لفظ اللهجة مكان اللغة، وهذا يمكن أن يغفر للمبتدئين مثلا، لكن لن يكون الأمر كذلك إذا تعلق بكاتب كبير. كما يطرح هذا النص إشكالا آخر منشطرا على جزأين؛ أولهما نصوغه على شكل سؤال: ما الذي يحدد علاقة المرء بالهوية؟ والثاني هو : إلى أي حد يبقى الوعي العروبي وفيا لأطروحة الأستاذ؟ لقد انتهت معظم الدراسات حول الهوية ومحدداتها إلى ذكر اللغة بوصفها العنصر الأساسي الذي نستطيع به أن نصنف الأشخاص، باعتبارها الوجه الأكثر حضورا في الوضعيات التواصلية. والعرق باعتباره محددا بارزا لهوية الأشخاص خصوصا منهم الصينيون والأوربيون، وهو الأمر الذي ينتفي عندنا في تمييز العربي عن الأمازيغي. والجغرافيا وهي المعطى الذي خضع ويخضع للسرقة عبر قرون عديدة. إذا، فالذي يحدد علاقة المرء بالهوية هو تواصله بلغته، واتصاله بأسلافه عرقا، وتمسكه بأرضه. وما دام الأستاذ قد أطاح بالمعطى الأول فله ذلك. لهذا يأتي التساؤل حول الانتماء. انتماء لماذا؟ انتماء للهوية؟ انتماء للعرق أم للأرض أم لهما معا؟ إذا كان الانتماء للأرض يشفع وحده في تحديد الهوية فلماذا يقدم الأستاذ نفسه بأنه عربي، أو لنقل احتار في تحديد هويته، واختار أن يقدم نفسه كإنسان وجد نفسه يتحدث العربية( ص.25). ولماذا يعتبر الجميع نفسه عربيا بمجرد أنه يتحدث العربية، ويا للحسرة، إنها عربية دارجة، دون أن تكون للأرض، بتاريخها العريق في الغزو أية أهمية. كلام بسيط ينفي ارتباط الأرض لوحدها بالهوية. وإذا كان الانتماء للعرق كافيا في تحديد هوية الأفراد، لماذا يقدم المستعرب المغربي نفسه بوصفه عربيا رغم أن عرقه أمازيغي. يقول لك ببرودة: " أمي وأبي أمازيغيان ، وأنا عربي " إذا كان العرق غير كاف لوحده، والأرض غير كافية لوحدها، في تحديد هوية الأفراد وهوية الجماعات، فهل يكفيان معا إذا توافقا في فرد أو جماعة، في تحديد الهوية؟ إن الكثير من المغاربة ينتمون إلى الأرض الأمازيغية ( ولا نقول المغربية باعتبار أن اللفظة نفسها تخضع للمد والجزر العروبيين)، كما أنهم ينتمون إلى الأمازيغ عرقا، لكن لغتهم مستعربة، أي أنهم يتحدثون الدارجة المغربية، فيا ترى من هم؟ قد يقول مدقق حصيف أنهم أمازيغ يتحدثون العربية. فأين تتجلى الأمازيغية فيهم ؛ في الثقافة؟ لقد انسلخوا عن ثقافتهم منذ أن جهلوا لغتهم. في اللباس؟ الجميع الآن يرتدي الجينز والتي شورت. في السلوك؟ في المعيشة؟ في السحنة؟... كلها أمور لا تبشر بشيء. نعم إنهم أمازيغ، يتحدثون الدارجة المغربية ، ولكن هل يقدمون أنفسهم كذلك؛ الجواب بالنفي، يقولون: " نحن من العرب العاربة". على هذا الأساس، هل نستطيع أن نقول أن اللغة لا تحدد وحدها الهوية وأن الصلة بها قد تنقطع ويظل الانتماء قائما؟ هذا ما سيحيلنا على الإشكال الثاني، وهو إلى أي حد يظل الوعي العروبي الاستعرابي وفيا للأطروحة. إن حل هذا الإشكال سيتم بهذه البساطة؛ هل لدى العرب استعداد لنعت المفكرين والأدباء الأمازيغ عرقا وأرضا( ولغة في التواصل اليومي) بأنهم أدباء أمازيغ وليسوا أدباء عربا ؟ من خلال تأملنا للخطاب العربي لم يحدث إطلاقا أن سمعنا بـ " أديب أمازيغي" لفظا، ذلك أن العرب اعتادوا تدنيس غيرهم بنعوت كثيرة، تتغيا في عمقها النيل من قيمة الآخر حينا والإشارة إلى خطورته أحيانا أخرى( البربري، الريفي، الشلح...) وندر أن سمعنا بالأديب الريفي الفلاني أو السوسي، ويذهب الكثيرون إلى الاكتفاء بالأديب المغربي ( وقد أشرنا على أن مصطلح المغربي مصطلح مغلوط). غير أم ما نجده طاغيا وبشكل كبير هو استعمال لفظ" الأديب العربي"، وخلفياته القومية معروفة لدى الجميع. إذا أردنا أن نكون منصفين علينا أن نتساءل لماذا قدم العرب والغربيون أدباءنا الأمازيغ الذين يكتبون إبداعاتهم بالعربية، تماما، كما يكتب بعض العرب فكرهم وأدبهم باللغة الأجنبية، لماذا يقدمونهم باعتبارهم عربا. نصل على بيت القصيد عندما نعود على محمد شكري الذي لم يرتكب ذنبا في حق هويته، إلا أنه كتب باللغة التي وجد الوطنيين ( اللا وطنيين قد فرضوها في المدرسة. وإذا كان التعريب ليس سوى تكييف المصطلح للغة كما يقول وزير الثقافة الجديد سالم حميش في كتابه "نقد ثقافة الحجر وبداوة الفكر"( رشيد الحاحي 2009 ص،112)، فلماذا يصر وتصرون معه في تقديم إبداعنا الأمازيغي بوصفة عربية. إن ظاهرة محمد شكري لا تتوقف عند هذا الحد، ذلك أن الطريقة التي تمت بها الترجمة، وأمام انعدام النص الأصلي المكتوب باللغة العربية، يضع النص أمام كثير من علامات الاستفهام. لا نشير هنا إلى ما طرحه المشارقة ونفاه محمد برادة الذي يتوافر على نصوص مكتوبة لشكري، ولكن الأمر يجعلنا نتساءل كيف سيقدمون شكري لو تراجع برادة عن ترجمة الخبز الحافي. إن العرب العاربة التي اعتادت الغزو والسلب والسرقة لم تجد على الآن الوقت الكافي للتوقف عما أنهى عنه الله ورسوله الكريم. لم تجد لحظة واحدة، أمام تهافتها على كل شيء، لتراجع فيها ذاتها وتحاسب أفعالها، فكيف نكتب الآن، وهو الوقت الذي انفتحت فيه شهيتها أكثر فأكثر، لنطالبها بتوقيف شرهها وإيقاف لعابها. لهذا فالجابري ومحمد شكري والمختار السوسي وابن خلدون وابن بطوطة وأوغسطين وابن رشد.. كلهم... آه يا سيدي حمو، لو حدث أن ترجمت أشعارك، لكنت الآن لابسا عمامة الشرق، تتجول في شوارع دبي الفارهة. هذا سيدفعنا إلى الانتقال إلى الأدب ؛ هل هو أمازيغي؟ إن الواقع الذي يصور في كتابات شكري ينتمي إلى جغرافيا أمازيغية، وشخصيات سيرته الذاتية تتحدث الأمازيغية إن تخيلناها في واقعها التواصلي اليومي. وقد نتساءل إن كانت الدارجة المغربية تسوغ للمضمون أن يكون عربيا. ويمكن أن ننظر إلى الأمر منظورا آخر، كأن نقول أن ما يكتبه الجابري لا علاقة له بالأمازيغية. هنا يمكن أن ندلي برأينا دون حرج. نعم، إن ما يكتبه الجابري يندرج ضمن الخطاب العربي الأصيل، الدراسات التراثية العربية الإسلامية، شانه في ذلك شأن أوغسطين الذي انخرط في إشكالات لا ترتبط به في شيء، واستطاعت كتاباته كما قال بول جونسون أن تكون " منتشرة بين زعماء الكنيسة من القرن الخامس إلى القرن الثالث عشر، ومن ثم لعبت دورا مسيطرا في تشكيل مسيحية القرون الوسطى"( المثقفون؛ دار شرقيات، ط.1، ص.61). إننا لن نجد مجالا لتمزيغ فكر مسيحي انخرط بلغة غير اللغة الأمازيغية في التنظير. أمر يجد صعوبته أساسا في كون المدلول نفسه غير أمازيغي إضافة إلى الدال. هنا قد نعود إلى محددات الهوية ، ولكن بشكل آخر، ونم منظور مختلف، إذ ما الذي يجعل من المدلول مدلولا عربيا. في هذه النقطة تعترضنا صعوبات كثيرة ، لا نستطيع القبض على انفلاتها إلا من خلال نط عيش الحياة، كيف يعيش الفرد الحياة، التقاليد، الخصوصية الثقافية، كل هذه الأشياء تجتمع لتميز العربي عن غيره، أو
بالتحديد، أن تميز الفرد حسب الجغرافيا التي ينتمي إليها، والتي تتأثر بالسكان الأصليين. ما الذي يجعل من المدلول العربي مدلولا عربيا، ومن المدلول الأمازيغي مدلولا أمازيغيا. إن الوقوف عند التمفصلات الرئيسية يبدو صعبا للغاية. سنتوقف أولا عند الدين، كأن نظن أنه يستطيع أن يميز لنا بين العربي وغيره، لكنه جواب يتهافت قبل التفكير في سؤاله، باعتبار أن % 79 من المسلمين ليسوا عربا. إذا كانت اللغة هي التي تحمل ثقافة وتاريخا وانفعالا تواصليا يشعر بالأمن، فإنها هي نفسها التي تشكل العرق والانتماء، ولكنها لا تشكل الدين ولا تبرر التقيد به. اللون، قد يشير البعض إلى أن اللون يبت في كثير من أمور تحديد الهوية، وهو ما ينفيه العقل وتدحضه الملاحظة، فالسود يعرفون أصولهم، لكن انتماءهم القومي الأممي انتماء له ما يبرره، إننا ننمحي حيث نحس بالأمن والحمى. سبق للطاهر لبيب أن تحدث عن الهوية الفردية، مشيرا على أن الهوية هي هوية الفرد في ذاته، هويته، أي كما هو في الأصل. وقد نجد في هذا الطرح الكثير من الجدية، فهو إضافة إلى انه يعيد الاعتبار للذات الفردية، يسعى على ترسيخ الهوية الجماعية بشكل دقيق. من خلال ما سبق، يتبين لنا أن أطروحة الأستاذ لن تكون صادقة ولا صحيحة إلا بمقدار وفائه لها، ووفائهم. وهو الأمر الذي يبدو مستحيلا عندما يتم استيعاب الأفراد لغويا. إن الاستيعاب العرقي رهين بالاستيعاب اللغوي. * * * يمثل هاجس الحرف هاجسا ثقيلا يثقل على الأستاذ كاهله؛ فقد رأى أن يثير حرف تيفيناغ بين الحين والآخر في معرض حديثه عن الحرف العربي. ونظن أن إثارة الحرف العربي وإشكالياته، ما هو إلا ذريعة لإبداء المواقف الدفينة تجاه تيفيناغ ما دام هذا الحيز المكاني مخصصا أصلا لإثارة موضوع الأمازيغية، خصوصا أن الكاتب لم يدل بدلوه في ما يجول من نزاعات سياسية كبيرة في أواخر هذا العقد. وكأنه يجتر مواقف العدالة والتنمية، ها هو يؤكد كما أكد غيره منذ سبع سنوات، أن لاختيار تيفيناغ أسباب سياسية لا غبار عليها، وكالمنظرين الكبار، يشير على أن هذا الاختيار قد يذهب بالمتعلمين الأمازيغ إلى التخلف فيبعض المواد الأساسية( ص.48)، مستندا في ذلك إلى تجربته عندما كان طالبا، ولم يوفق في إتقان الحرف اللاتيني الذي كان جديدا عليه. يقول الكاتب الكريم في نص طويل، ونعتذر للقارئ العزيز على طوله: " واضح إذا أن الدافع القوي وراء الاختيار كان سياسيا، بغرض فرض الانتماء ونبذ أو عرقلة الانصهار. قد يقال: التمييز قائم على أي حال، والتمييز غير محقق حتى في حال الرغبة فيه والمطالبة به. لماذا لا نعمل إذا على تركيز وترسيم التمييز؟ الاستمرار في تولي الحرف العربي، وهو الاختيار التقليدي، يؤدي حتما إلى طمس الهوية، إذ الحركة الأمازيغية لم تقم إلا لتحويل هذه الوجهة. واختيار الحرف اللاتيني، رغم مغرياته يصطدم بحساسيات قوية. لم يبق إلا المراهنة على التيفيناغ رغم تبعاته."ص( ص49.48.). من خلال مسح بصري سريع، سنجد أن هنالك مجموعة من المصطلحات التي ذكرت، كـ " الانصهار" ، " التمييز"، " طمس الهوية"، " حساسيات قوية"... وهي مصطلحات وعبارات تشير إلى الحلقة التي يدور فيها النقاش، والجهة المستهدفة منه. أن تكون جاهلا بالسوسيولوجيا المغربية أمر قد لا يشفع في الخوض في أخص خصوصيات هذا المجتمع. قد يكون الأستاذ من أدرى السوسيولوجيين بالمجتمع العربي في مستواه الفوقي الذي تعكسه المجلدات الضخمة، وقد يثني عليه محمود درويش قبل وفاته قائلا إنه من أعمق المفكرين تحليلا ومنهجية و.. و... إلا أن خوض غمار تجربة الأمازيغية أمر بعيد كل البعد عن مفكر بعيد كل البعد عن مجتمعه. لهذا السبب، ولأسباب أخرى يبرز في النص السابق أن اختيار الحرف العربي يؤدي حتما إلى طمس الهوية، والحركة الأمازيغية لم تقم إلا لتحويل هذه الوجهة. نتساءل مع أستاذنا العزيز، هل طمست الهوية الفارسية عندما تبنت الحرف العربي، أم أنها الآن أصبحت القوة العظمى التي يخشى الغرب ذكر اسمها. قد يقول سالم حميش في آخر مداخلاته المتعلقة بالأمازيغية أن اللغة الفارسية تبنت الحرف العربي شأنها في ذلك شأن اللغة الأردية، ولكن هل تمكن هذا الحرف من تقريبنا من هذه الحضارة، أم أن الأمور بقيت على حالها سواء تبنت الحرف العربي أو غيره. ويستغرب وزير الثقافة النقد الكثير الذي تعرض له جراء ما قاله في برنامج تلفزيوني، وكأن الأمازيغية من المقدسات، وبدورنا نشك أن ينام الوزير نوما هادئا إن طالبناه، وطالبنا غيره بتغيير الحرف الذي تكتب به العربية، إن كان فعلا يغير عليها كما يقول. يشير محمد شفيق في حوار جميل إلى أن تعلات عدم اختيار الحرف العربي تعزى إلى تعصب الآخر( المستعرب والعربي) ضد الأمازيغية، الشيء الذي يزيد من حدة تعصب الآخرين( حوار أجرته مجلة الفرقان، ع.38، 1997). فلو كانت هناك نية عربية حسنة، لكان تبني الحرف العربي من أولى أولويات الحركة الثقافية الأمازيغية. وهو ما ألمح إليه عبد الله العروي نفسه عندما قال: " يميل بعض المعربين إلى إبدال الفرنسية والاسبانية بالانجليزية، لغة الاقتصاد والتكنولوجيا، انسجاما مع الوضع المشرقي. وسيميل بعض دعاة الأمازيغية، اتباعا للمنطق نفسه، إلى إبدال العربية بالفرنسية لدوافع واضحة."( ص.56)
ومع ذلك، فاختيار الحرف اللاتيني، كما يقول الأستاذ، يصطدم بحساسيات قوية، فما هي نوع هذه الحساسيات؟ أليست هي حساسيات القومية العربية والإسلام السياسي والإسلام السياسوي( الاستقلاليون والعدالة والتنمية والعدل والإحسان). إذا، لماذا لا يُختار الحرف اللاتيني، ففي آخر المطاف يكون المجتمع المغربي مجبرا على إتقان الحرف اللاتيني، لأنه حرف التقدم الاقتصادي الذي يقض مضجع السياسيين القوميين، الذين يتذرعون بالرهانات الاقتصادية التي يجب على المغاربة تشمير أيديهم لها. قد يكون الطفل الأمازيغي أقرب إلى هذه اللغات، وما دامت هي التي تتيح فرص العمل حاليا، فلن يرض ذلك أبناء العرب العاربة، كما سيجعل الآباء الذين يتباهون بالحديث مع أبنائهم بالدارجة المغربية يحسون بالحسرة والندامة. الحل، إذن، لا يمكن أن نجده إلا في توجيه هؤلاء وجهة أخرى، وهذا ما جعل العروبيين يتنازلون عن الحرف العربي لصالح تيفيناغ، اعتقادا منهم أن هذه الحروف اليابانية في غرابتها، ستؤدي حتما، إلى إفشال طموحات الأمازيغية. نعم، لم يبق، أمام اصطدام الأمازيغ المغاربة بالعرب العاربة، والسلطة السياسية العروبية، إلا أن تراهن على حرف تيفيناغ رغم تبعاته. ويعود أستاذنا ليسألنا عن التكلفة الاقتصادية وعن الانسجام الاجتماعي؟ وهو أمر مشروع، ذلك أن الميزانية المخصصة للمعهد لا تتجاوز 100 مليون سنتيم شهريا، وهو مرتب يحصل عليه وزيران فقط في حكومة عباس الفاسي، بين الراتب الأصلي، وتجييب( من الجيب) أمول المغاربة. أمر مشروع أن يسأل عن الانسجام الاجتماعي، ما دام يسمي الوضعية الثقافية والتواصلية في منابر الحكومة الغاشمة تواصلا ومثاقفة وانسجاما. " وتطرح مجددا مسألة الأفق". إن تحديدنا للأفق، ليس هو أفق السيادة السياسية واللغوية لفئة دون أخرى، بل هو استشراف مجتمع التعددية السياسية الحقيقية( هناك تعددية سياسية مزيفة كتعدد الأحزاب السياسية في المغرب مع حرمان أحزاب أخرى كالحزب الديموقراطي الأمازيغي من التواجد داخل الساحة السياسية.). ومجتمع الديموقراطية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون وليس مجتمع أمة بدون دولة. أما عن لغة التواصل، فماذا يقول أستاذنا العزيز. يقول إن" من يتكم الأمازيغية فقط كمن يملك نقود سوس، من يتكلم العربية المغربية، كمن يملك دراهم حسنية. من يتكلم الفرنسية والاسبانية كمن يملك اليورو، ومن يتكلم الانجليزية كمن يملك الدولار، واضح ماذا يستطيع أن يقتني كل واحد من هؤلاء."( ص.58).وواضح ما يقصده الأستاذ، وواضح أنه وقع في خلط كبير. فالذي يتكلم الأمازيغية لا يملك نقود سوس فقط، بل يملك نقود الريف والوسط والجنوب، ويملك متاجر المغرب من أقصاها إلى أقصاها، بل يملك زمام التجارة في العاصمة الاقتصادية. أما من يتكلم الدارجة المغربية فأكيد أنه ملك السلطة وملك العروبة وأصبح هو الذي يتحكم في زمام الأمور، إلى أن يزرع الله الحق في هذا الوطن التعيس. هل نقول إن الأمازيغي يطمع في النقود الحسنية، مثل العربي الذي تميز على امتداد تاريخه بالشراهة وسيلان اللعاب أمام كل أرض خصبة؟ يستدرك المفكر الكبير في الحديث عن الثنائية التي يمكن تبنيها، ما دام امتلاك كل هذه العملات أمرا متعذرا، فأشار إلى أن الحقل اللغوي والثقافي يمكن أن يتجزأ بين ثلاث لغات أو لغتين فقط ، أي : " تساكن الأمازيغية العربية ولغة أجنبية." أو وجود اللغة الأمازيغية مع اللغة الفرنسية من جهة، ومن جهة أخرى اللغة العربية والانكليزية. وبعد صفحتين يقول: " قلنا إن الوضع سيختزل على الأرجح في ثنائية: أمازيغية فرنسية أو أمازيغية اسبانية من جهة وعربية/ فرنسية أو عربية / انجليزية من جهة ثانية."(59). وهنا نتساءل كيف يكون المعرب أقرب إلى الانجليزية منه إلى الأمازيغي؟ لم يكن العروي يرغب في أن يكون كاذبا أو منافقا، في أول استشهاد له في هذا المقال. كان يمقت التفرج كما يمقته السياسيون الذين يحشرون أنوفهم في كل شيء. وكانت وضعيته الاجتماعية وتربيته الأولى قد أوقفته هذا الموقف بين الخطابات السياسية العروبية. انخراط أخطأ فيه كاتبنا الكبير كل الخطأ، ولم يكن موضوعيا كما كان، حيث جذبته آراء القومية ليقف معها في صف واحد، يحول دون خرقه من أصحاب الحق في أرض تامازغا. مبارك اباعزي طانطان